محمد متولي الشعراوي

1132

تفسير الشعراوي

« أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها » وساعة تسمع « أنّى » فهي تأتى مرة بمعنى « كيف » ، ومرة تأتى بمعنى : « من أين » ، والمناسب لها هنا هو أن يكون السؤال كالتالى : « كيف يحى اللّه هذه بعد موتها » ؟ وقوله هذا يدل على أنه مؤمن ، فهو لا يشك في أن قضية الإحياء من اللّه ، وإنما يريد أن يعرف الكيفية ، فكأنه مؤمن بأن اللّه هو الذي يحيى ويميت ، وهذه ستأتي في قصة سيدنا إبراهيم : أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى ( من الآية 260 سورة البقرة ) هو لا يشك في أن اللّه يحيى الموتى ، إنما يريد أن يرى كيف تتم هذه الحكاية ؛ لأن الذي يريد أن يعرف كيفية الشئ ، لا بد أنه متعجب من وجود هذا الشئ ، فيتساءل : كيف تم عمل هذا الشئ ؟ مثلما نرى الأهرام ، ونحن لا نشك أن الأهرام مبنية بهذا الشكل ، لكننا نتساءل فقط : كيف بنوها ؟ كيف نقلوا الحجارة بضخامتها لأعلى ولم يكن هناك سقالات أو روافع آلية ؟ إذن فنحن نتعجب فقط ، والتعجب فرع الإيمان بالحدث . والسؤال عن الكيفية معناه التيقن من الحدث ، فقول الحق : « أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ » . . يعنى : كيف يحيى اللّه هذه القرية بعد موتها ، فكأن القائل لا يشك في أن اللّه يحيى ، ولكنه يريد الكيفية ، والكيفية ليست مناط إيمان ، فاللّه لم ينهنا عن التعرف على الكيفية ؛ فهو يعلم أننا نؤمن بأنه قادر على إيجاد هذا الحدث . وأضرب هذا المثل - وللّه المثل الأعلى - فمصمم الملابس عندما يقوم بتفصيل أزياء جميلة ، أنت تراها ، فأنت تتيقن من أنه صانعها ، ولكنك تتعجب فقط من دقة الصنعة ، وتقول له : باللّه كيف عملت هذه ؟ كأنك قد عشقت الصنعة ! فتشوقت إلى معرفة كيف صارت ، فما بالنا بصنعة الحق تبارك وتعالى ؟ إنك تندهش وتتعجب لتعيش في ظل السر السائح من الخالق في المخلوق ، وتريد أن تنعم بهذه النعم . ومثال آخر - وللّه المثل الأعلى من قبل ومن بعد - أنت ترى مثلا لوخة رسمها رسام ، فتقول له : باللّه كيف مزجت هذه الألوان ؟ أنت لا تشك في أنه قد مزج